29 سبتمبر، 2026

تجربة الإذاعات والتلفزيونات الخاصة في موريتانيا على حافة الفشل

0

كانت الفترة الإنتقالية التي عرفتها موريتانيا ما بين عامي 2005 و2007، فاتحة لعهد تطوّر كبير شهده مجال الحريات الجماعية والفردية في البلاد. فخلال هذه الفترة، أعدت نصوص قانونية كثيرة، بعضها يتعلّق بحرية الإعلام، كقانون الصحافة المكتوبة، بينما تمّ الشروع في التحضير لنصوص أخرى صدرت لاحقا.

محمد محمود – نواكشوط

ومن بين تلك النصوص، القانون المنظم لتحرير الفضاء السّمعي البصري، الذي يسمح بإنشاء مؤسسات إعلامية تلفزيونية وإذاعية خاصة، وقد وضعت نواته الأولى سنة 2007 بتأسيس هيئة تسمّى السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصريةرابط خارجي، أسند إليها تنظيم القطاع وضبطه، لكن صدور القانون تعطّل ثلاث سنوات حتى عام 2010، حيث صادق عليه البرلمان الموريتانيرابط خارجي، وقد أشفع قرار المصادقة عليه، بموافقة السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية على الترخيص للدفعة الأولى، الممثلة في خمس قنوات تلفزيونية وخمس إذاعات، كلها مؤسسات تجارية خاصة، في وقت ما يزال القانون المتعلّق بتحرير القنوات الإذاعية والتلفزيونية الجمعوية غيْر الرِّبحية، معطّلا حتى الآن ينتظر صدور مرسوم من وزير الإعلام، كما ينص القانون على ذلك.

انطلاقة بمشاركة الجميع

ومع بداية عام 2012، بدأت القنوات والتلفزيونات الخاصة بثّها، بعد توقيعها على دفاتِر التعهُّدات، التي سيتبيّن لاحقا أنها كانت مُجحفة، ونظرية غيْر قابلة للتطبيق، ورغم ذلك، شكلت هذه الإذاعات والتلفزيونات طفرة كبيرة في مجال الحريات الإعلامية في البلد، حيث تعوَّد الجمهور الموريتاني خلال العقود الماضية على الإذاعة والتلفزيون الحكوميتيْن، اللتين ما تزالا حتى الآن تشكلان إعلاما حكوميا مرتبِطا بالنظام السياسي الحاكم في البلد، ويغيب عنهما الرأي المخالِف والمعارض، فضلا عن رأي المواطن العادي

لقد وجدت القِوى السياسية المعارضة في هذه القنوات فُرصة لمخاطبة الرأي العام والترويج لأفكارها وبرامجها، باللّغتين العربية والفرنسية، فضلا عن اللغات المحلية الثلاثة (البولارية والسنوكية والولفية)، وهي لغات تتحدثها الأقلية الزِّنجية في البلد، وذلك بعد أن فرض القانون على هذه القنوات منح تلك اللّغات نسبة من وقت بثها اليومي، وبات الأثير مفتوحا على مصراعيْه لكل النشطاء السياسيين والحقوقيين والاجتماعيين، ولعِبت هذه القنوات دوْرا كبيرا ومِحوريا في تطوير وبلورة رأي عام مطلع على حيثِيات أمور تسيير البلد، وأصبح النقد الحكومي مفردة يومية من مفردات المواطن البسيط، الذي يقدِّم رأيه عبْر البرامج التفاعلية اليومية، كما وفّرت فرصة لأصحاب المظالم والمهمّشين وضحايا الغبن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، للتعبير عن وجهات نظرهم والمطالبة بحقوقهم. وكثرت برامج المناظرات السياسية بين الفرقاء، وتعدّدت اللافتات المرفوعة بين تيارات سياسية ونقابية وحقوقية وفئوية وطبقية، وباتت كل القضايا مطروحة للنقاش مع المواطن العادي بشكل يومي في تعاطٍ مباشر، بعد أن ظل نقاشها في السابق عبْر الإعلام الحكومي حِكرا على نُخبة سياسية منتقاة.

حرية التعبير تُواجه اختبارا عسيرا على مستوى العالم

أحد ركائز الديمقراطية يتزعزع، فمن يحمي حرية التعبير؟ هنا نظرة عامة حول الموضوع.

 المقر الرسمي للسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية في العاصمة الموريتانية نواكشوط. swissinfo.ch

عثرات الميلاد

غير أن تلك الطفرة في مجال حرية الإعلام السمعي البصري، واجهتها صعوبات عديدة أضرت بمسيرتها وهددت بفشل التجربة عموما وفقدان المواطن نافذته التفاعلية اليومية مع الشأن العام، حيث وجدت هذه القنوات نفسها أمام أزمة كادر بشري مؤهل قادِر على مواكبة جو الحرية الإعلامية بمِهنية واحترافية، وذلك نظرا لغياب التراكم التجريبي لدى القائمين على هذه المؤسسات والعاملين فيها، حيث لم يعرف البلد أيّ نوع من ممارسة حرية الإعلام السمعي البصري قبلها، فتتالت الأخطاء المِهنية القاتلة، وتحوّلت أحيانا تلك المؤسسات إلى منابر دِعائية لأمور تمسّ القانون وتخترقه، وانتهكت في حالات كثيرة الخصوصية الفردية، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع أصوات تطالب هيئة السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية بالتحرّك لضبط القطاع وتنظيمه.

في مقابل ذلك، اعتمد القائمون على تلك السلطة فلسفة تقوم على ترْك الحبل للغارب للتّجربة الأولى، مع استدعاءات تحذيرية للقائمين على تلك القنوات وعقد اجتماعات دورية معهم لمناقشة تجاوُزاتهم وتنبيههم عليها، على أمل أن تنضج التجربة وتتمكّن من احتواء أخطائها بنفسها عبْر مسار مِهني مسؤول.

المصدر swissinfo.ch

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *