عدم نصح الحاكم
على الرغم من أن نظام الرئيس المختار ولد داداه كان من أكثر الأنظمة الحزبية في إفريقيا استقرارا، إلا أن حرب الصحراء و تفاعل التناقضات الداخلية في صفوف حزب الشعب، والتذمر بين صفوف الضباط من الحرب، أظهر أن الوضع في اتجاه تحولات أصبحت وشيكة وكانت كل الاحتمالات مفتوحة.
يقول الوزير شيخنا ولد محمد لغظف:
وقد علمت بنية الجيش في تغيير نظام الحكم 9 أشهر قبل الانقلاب وكنت حينها قادما من عطلة في الداخل بداية نوفمبر 1977 ، إذ بعث لي العسكريون ضباطا للتباحث، شعرت من خلال اللقاء معهم نيتهم في التغيير.
و في اجتماع المكتب السياسي، طلبت من الرئيس ولد داداه أن يعين وزيرا أول حقيقيا وذلك لعدة مسائل من بينها أن خطوة من هذ القبيل ستخفف من جسامة الانتقادات الموجهة إلى شخص الرئيس وستؤسس لنوع من التشاركية والمسؤولية بين الفاعلين السياسيين ويسهل بالتالي التخلص من أي وزير أول حالما تشب المشاكل.
وأضفتُ قائلا : .. إن موريتانيا الستينات لست موريتانيا 1977
فاجابني قائلا : بكل تأكيد
واستطردت لقد كان بإمكان أي شخص أن يكون حاكما وحده تتمركز الأمور عليه ولديه، أما الآن فينبغي وجود إدارة دائمة وشخص مؤهل لخلافة الرئيس حينما يغادر في إحدى زياراته للخارج.
هذه الشهادة من أحد أبرز رجالات الدولة الموريتانية منذ النشأة وحتى تسعينات القرن المنصرم، امتلك الشجاعة لإبداء الرأي والنصح لرئيس خدم معه عقدين من الزمن.
يقول المختار ولد داداه:( لم تكن لي قط نية في البقاء الأبدي في السلطة ولولا حرب الصحراء لكنت غادرت السلطة سنة 1972 و حتى قبل ذلك كنت أعد العدة لوضع مؤسسات فعالة وتنظيم إجراءات انسحاب لا يؤثر على عملية تداول السلطة، لكن الانسحاب من قيادة البلاد في أوج الحرب كان يعتبر استسلاما شنيعا وتخل عن واجب التضامن مع مواطني ولم يكن من طبيعتي أن أهرب أمام الصعوبات وقبل كل شيء فأنا الذي قدتهم للحرب، لذلك قررت أن أنتظر نهاية الحرب لاتخاذ قراري ….).
جرت مياه كثيرة تحت جسر الزمن..
في نهاية 1980 شكل شيخنا ولد محمد لغظف هيئة للدفاع عن إنجازات العاشر من يوليو وقد ترأسها وكان نائبا له في رئاستها سيدي أحمد ولد ابنيجاره، وضمت كلا من حمود ولد أحمدو وأحمد ولد الزين … وآخرين.
اتصلت الهيئة حينها بالرئيس محمد خونه ولد هيدالة لتبلغه بتشكيل اللجنة وقد عبر حينها عن استعداده الكامل لاستقبال اللجنة في أي لحظة وهو ما تم بالفعل.
التقى شيخنا رفقة ولد ابنيجاره بهيدالة وعرض عليه شيخنا أهداف اللجنة وأحال الكلمة إلى نائبه سيدي أحمد ول ابنيجاره الذي بدأ بالتحدث قبل أن يخاطب الرئيس قائلا “عليكم كعسكريين إذا أردتم تحقيق أي شيء مهم أن تتخذوا منا نحن المدنيين وسيلة إلى ذلك ” إستردمُو فينا ” وهي العبارة التي استشاط منها ولد هيدالة غضبا قائلا :” من أنتم حتى نتخذ كم وسيلة..
تصبب ولد ابنيجاره عرقا ولم ينبس ببنت شفة..
كان هيداله قد بدأ يشعر بحلاوة السلطة، وعذوبة أن يكون الجميع رهن بنانه أحس ولد هيدالة بتلك النداءات الخفية التي يرسلها كرسي الحكم للجالس عليه بأنه الوحيد المخول للحكم وبأنه منة من الله أرسلها لهذا الشعب المسكين لإنقاذه وأنه المخلص والقائد المُلـــ هَمْ.
بدأ ولد هيدالة بخلق هوة بينه وبين المحيطين به في القصر حيث يعتقد أن احترام السلطات يقتضي منها التعالي على الشعب وهو اعتقاد مناف للقيم الديمقراطية لكنه مسلك دأب عليه العسكر.
في ذروة التجاذب السياسي فى عهد ولد الطائع كتب البعض على الجدران “الموت لمعاوية” في أكثر من مكان بالعاصمة علم معاوية بالأمر فأراد معرفة طبيعة ما توشم به الجدران، فاستدعى وزيره الأول الشيخ العافية مستفسرا؟
قال الوزير إنهم بعض الغوغاء وبعض الديماغوجيين يكتبون أشياء تافهة..
فقال معاوية: ماذا يكتبون هل يطالبون بشيء معين.. زيادة رواتب إطلاق سجناء …
قال الوزير: كلا كلا إنهم .. إنهم ..
ثار معاوية : إنهم ماذا ؟
قال الوزير الأول: إنهم يقولون مثلا : عن ذوك النصراني -ماهو فالكْ انتَ- ايموت..
مثلا عنْ ذيكْ الصدرايَ -ماهو فالك انتَ- اتموتْ هيّ..
فهم معاوية الأمر فضحك.
لقد ألقى أولئك الصفاقون في روع ولد الطايع أن احوال البلد “سمن على عسل”، وأن أي قول يخالف ذلك هو من كلام المعارضة، فدأب هو على الصراخ في وجه أي ناصح أمين: هذا ألا اكليّام المعارضة.
وظل سادرا في وهمه حتى انقلب عليه أقرب المقربين.
تذكرت ذلك حين سمعت تبريرات بعض المهيكلين بأن (عزيز بو غربال) أحد ملاك فريق “أفسي نواذيبو”، هو الذي هتفت الجماهير باسمه يوم وقعة ملعب (شيخا ولد بيديّه) بالعاصمة.
وماذا عن الشعارات المرفوعة عن ارتفاع أسعار المحروقات في البلاد ؟!
إن مسؤولينا لا يملكون الجرأة على قول الحقيقة للرئيس فكيف بنصحه !!
ويظل الرئيس يعيش الوهم حتى إذا تردّى في مزبلة التاريخ قال ليتني.. ولاتَ حينَ مناص..
مالم يملك الوزراء والمستشارون (والمستشار مؤتمنٌ) مالم يملكوا الشجاعة والجرأة على النصح فعلى الرئيس العفاء.
كامل الخديعة
المدون






