الباكلوريا في سطور
تدوينة حول تاريخ الباكلوريا نشرتها منذ ثلاث سنوات أعيد نشرها الآن :
#الباكلوريا في سطور
مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين بدأ الفرنسيون في إنشاء مدارس إبتدائية في مناطق مختلفة من البلاد ظلت تشكوا من قلة الاقبال عليها بسبب إرتباطها في اذهان السكان بالمستعمر (النصارى) الشيء الذي حاول الفرنسيون التغلب عليه بأكثر من وسيلة كإجبار كل مجموعة على تقديم عدد معين من الأطفال لهذه المدارس، وإنشاء مدارس لأبناء الشيوخ والوجهاء، وفيما بعد ادخال مادة اللغة العربية إلى هذه المدارس، وتغيير تسميتها لاحقا لتقريبها للسكان حيث سميت في فترة من الفترات”Médersa ”
..ومع ذلك ظل عدد هذه المدارس في إزدياد بطيء حيث وصل سنة 1946م حوالي 28 مدرسة إبتدائية بها قرابة 1787 تلميذا وحتى ذلك الحين كان التلاميذ الذين يرغبون في اكمال دراساتهم (مابعد الإبتدائية) يوجهون إلى مدارس في السينغال ..غير أنه في هذه السنة (1946م ) افتتح الفرنسيون في ضواحي مدينة “روصو ” أول إعدادية بالبلاد تحولت فيما بعد إلى ثانوية عرفت ب ” ثانوية أكزافيى كبولاني ” وكانت ملتقى للتلاميذ القادمين من مختلف أنحاء البلاد ومنها تخرج معظم رؤساء ووزراء وأطر الدولة خلال الستينات والسبعينات…. وبعد سنوات قليلة من الاستقلال تم تغيير اسمها ليصبح ” ثانوية روصو ” بدلا من ” أكزافيى كبولاني ” قائد الحملة الإستعمارية الفرنسية على موريتانيا الذي قتل 1905م في تجكجه على يد المجاهد “سيدي ولد مولاي الزين ” ورفاقه…
مع انتشار مؤسسات التعليم الثانوي بدأ بريق وألق هذه الثانوية يخبوا
تدريجيا …حيث بقيت مهجورة من التسعينات وحتى 2009م حين تم تحويلها بعد ترميمها الى مقر للمعهد العالي للتعليم التكنلوجي (ISET ).
في سنة 1961م تم إفتتاح ثاني أهم مؤسسة للتعليم الثانوي في البلاد ” الثانوية الوطنية ” في نواكشوط وكانت لاتقل عن سابقتها حيث ظلت لعقود منارة للعلم والمعرفة وعلى مقاعدها جلس معظم أطر البلد من أطباء ومهندسين وأساتذة وضباط…
#الباكلوريا : “Baccalauréat ”
من أهم التفسيرات المتداولة لأصل هذه الكلمة هو : هو كونها مشتقة من الكلمة اللاتينية ” bacca laurea ” والتي تعني إكليل الغار الذي كان يتوج به الأبطال ، أو كونها مشتقة من كلمة لاتيتية أخرى هي “bachalariatus ” وتعني المبتدئ في الفروسية ….لكنها بمرور الزمن تحولت إلى اسم لأهم امتحان في النظام التعليمي منذ صدور القانون المنشئ لها 17مارس 1808م في فرنسا . ..وقد عرفت الباكلوريا بأسماء عديدة حسب النظام التعليمي المتبع لكل دولة ك ” الثانوية العامة ” و ” الشهادة الثانوية “….وصل هذا النظام التعليمي المشتمل على امتحان الباكلوريا مبكرا إلى الكثير من الدول المجاورة(شمالا وجنوبا)،
وكان اول موريتاني يحصل على الباكلوريا (خارج البلاد) هو السيد راسين تورى ثم المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه والرئيس المؤسس المختار ولد داداه نهاية الاربعينات رحم الله الجميع.
هنا في موريتانيا ومنذ نهاية الخمسينات وحتى سنة 1974م كان امتحان ” الباكلوريا ” ينظم بإشراف فرنسي إنطلاقا من “داكار” وإبتداءا من سنة 1974م تولت مصلحة الباكلوريا بوزارة التهذيب الوطني الاشراف الكلي عليها وكان عدد المترشحين تلك السنة 309 مترشحا نجح منهم 180 وكانت نسبة النجاح 58,25% و ظلت الباكلوريا تجرى على مرحلتين “امتحان كتابي و”امتحان شفهي “حتى منتصف الثمانينات حيث اقتصرت منذ ذلك الحين على امتحان كتابي فقط.
ومنذ بداية تنظيمه وحتى اليوم ظل امتحان الباكلوريا يتمتع بالكثير من المصداقية والشفافية عكس الكثير من الامتحانات والمسابقات الأخرى لكن تلك المسيرة الطويلة المشرقة لم تسلم من بعض الهنات والنكسات كان أشدها على الإطلاق ” تسريب باكلوريا سنة 2000 م” حين بيعت مواضيعها في الوراقات وقرب المدارس وعلى قارعة الطريق…وكادت مصداقيتها أن تصبح في خبر كان لولا أن تداركتها الدولة أنذاك بقرار إعادتها كاملة وهو الأمر الذي لاقى استحسانا واسعا يومها، وشكلت يومها لجنة للتحقيق في “التسريب ” اتسم عملها في البداية بالسرعة والشمولية وأوصلتها تلك التحقيقات لمصادر عدة للتسريب كان من بينها بعض العاملين بالوزارة ومديري بعض المدارس الحرة ورؤساء بعض مراكز الامتحان وأساتذة..بل وتلاميذ وكان من نتائجها التحفظ على بعض المدارس الحرة وفصل بعض الموظفين والأساتذة …غير أن تلك الإجراءات سرعان ماتم التراجع عنها عندما هدأت عاصفة”التسريب” …ويقال والله تعالى أعلم إن تلك التحقيقات توقفت عندما وصلت لبعض “الرؤوس الكبيرة”.
في الدورة العادية سنة 2015م تمت إعادة مادة “الفيزياء والكيمياء” للشعبة العلمية بسبب تسريب تلك المادة على نطاق واسع، وبينت التحقيقات حينها أن ذلك التسريب لم يكن عن قصد أوسوء نية وإنما بسبب عدم قيام الأستاذ المسؤول عن تلك المادة بالاحتياطات الأمنية اللازمة للكومبيوتر مماسمح لأحد أطفاله بالوصول لذلك الامتحان ومن ثم نقله لبعض الشباب الذين قاموا بنشره عبر الانترنت.
من التحديات الكبيرة التي واجهتها الباكلوريا ولاتزال محاولات الغش والاختلاس التي تعددت طرقها وتطورت وكان انتشار الانترنت والهواتف الذكية تحديا أساسيا لم تفلح معه استعانة الوزارة أيام الامتحان بأجهزة ” كشف المعادن ” عند بوابات المدارس، وهو ماجعلها تقوم عن طريق شركات الإتصال (موريتل،شنقيتل، ماتل) بتعطيل خدمة الانترنت على شبكات الهاتف (المحمول فقط) أوقات امتحان الباكلوريا وهوإجراء وإن كان غير كاف إلا انه يساهم في الحد من عمليات الغش و الإختلاس.
تزايد عدد المشتركين في الباكلوريا الذي وصل 49993 مترشحا السنة الدراسية 2017م والمصحوب بتدني شديد في نسبة الناجحين حيث لم ينجح من هذا العدد الكبير من المترشحين سوى 2956 مترشح دفع وزارة التهذيب الوطني إلى سن نظام جديد للباكلوريا يضع مزيدا من القيود من حيث السن والمعدلات الدراسية…أمام المترشحين وهو إجراء مطلوب ووارد نظرا لفوضوية الترشح التي كانت تتيح لكل من هب ودب الترشح للباكلوريا حتى من تلاميذ الإعدادية وأحيانا من غير التلاميذ… وهو الإجراء الذي سيؤدي حتما إلى نقص أعداد المترشحين وزيادة في نسبة الناجحين حسب ماتتوقع وزارة التهذيب غير أن بعض الخبراء في القطاع يعتقدون أن المتضرر الأكبر (بسبب السن) من هذا النظام الجديد للباكلوريا سيكون المترشحون غير النظاميين “الأحرار” خصوصا منهم خريجوا المحاظر الذين كانت شعبة الأداب الأصلية ” O ” تمثل بالنسبة لهم معبرا سلسا للتعليم الجامعي وأحيانا التوظيف بعد أن يكملوا تعليمهم المحظري .
لكون الباكلوريا شرطا لازما لدخول مؤسسات التعليم الجامعي وللمشاركة في كثير من المسابقات المهنية وللحصول أحيانا على منح دراسية خارجية(وهو حافز قوي لبعض التلاميذ) شكلت للكثير من الشباب هاجسا وبعبعا مخيفا وأحيانا صخرة تتحطم عليها أحلامه وهو ما يسبب في مجمله موجات من القلق والخوف تنتشر بين الشباب المقدمين عليها كان يطلق عليه في أوساط التلاميذ في مامضى ” حِمتْ باك ” أي حمى الباكلوريا… كما كان يطرأ على المترشحين لها أحيانا ” التزام ديني مؤقت ” يتمثل في ارتياد المساجد بشكل منتظم وكثرة الصدقة واعفاء اللحية….(وهي أمور محمودة كلها ) وهو ماكان يدعوه التلاميذ من باب الدعابة ب ” زيْنْ دِينْ أهَّلْ بَاكْ ” ناهيك عن محاولة الابتعاد عن الأهل في مجموعات للدراسة كانت تقوم بتأجير غرف للمراجعة في بعض الأحياء القريبة من الثانويات…وأمور غيرها كثيرة ناتجة عن التأثير النفسي لامتحان الباكلوريا.
#نواكشوطيات Ahmed Ebatt






